نموذج لصفحة المقالات

 

الإعلام الشرطي وصناعة التحول

الكاتب: د . رجب بن علي العويسي

لقد أبرز التطور الحاصل في منظومة العمل الشرطي  وتشعب إختصاصاته  الحاجة إلى تطوير دور الإعلام الشرطي بإعتباره صوت المؤسسة الشرطية في تعريف المجتمع برسالتها والمستجدات الحاصلة وتعزيز وعي الفرد بدوره ومسؤولياته في التكاملية المجتمعية لتحقيق رسالة الأمن في المجتمع  بأسلوب حواري تفاعلي يضمن شراكات واسعة وأطر مؤسسية،  ويأتي الإعلام باعتباره الوسيلة الأكثر قدرة على تعزيز هذا الدور وترسيخ مستويات الوعي الإجتماعي بقضايا الأمن والمجتمع والتنمية والإنسان. لذلك أصبح تناول دور الإعلام الشرطي ضرورة أساسيه عند الحديث عن تطور العمل الشرطي والمنجز الوطني في هذا الجهاز والتحولات النوعية الحاصلة في أهدافه وغاياته وآليات عمله والكفاءة البشرية والمادية والعملية والأدائية لديه،  بحيث تتسع الرسالة الشرطية لتشمل أبعاداً مجتمعية مختلفة وتقف على السلوك الفردي بما يضمن توافقه مع الموجهات العامة للدولة وترسيخ منظومة إحترام القانون .

 وإذا كان التعاطي المفاهيمي الحديث مع موضوع الأمن في كونه أكثر شمولية والتصاقا بالإنسان ، فإن ذلك ناتج من طبيعة المتغيرات المؤثرة في حياته والمتأثر بها وتعدد الإشكاليات التي تتطلب جهدا ذاتيا من الفرد نفسه بحيث تعمل الجهود المؤسسية في إطار الأخذ بيده وحمايته ليؤدي مسؤولياته بكل مهنية،  وهو بذلك يستدعي  أن يضع الاعلام الشرطي في  أجندته التركيز على كل المدخلات المؤصلة لأمن الإنسان  بأساليب وآليات مبتكرة، ومحاولة تصحيح بعض المفاهيم التي ما زالت عالقة في أذهان البعض بتركيز العمل الشرطي على مجرد اللحاق بالمجرمين وإيقاع العقوية بالمتجاوزين للنظام ، وبالتالي إيجاد شراكة حوارية تفاعلية في طبيعة الدور الذي يقوم به جهاز الشرطة في كونه ركيزة للإصلاح والتنمية والتطوير المجتمعي وترسيخ منظومة الأمن الشامل وتعزيز بناء الذات الإنسانية القادرة على الإستجابة للمتغيرات وإدارة التحولات  المجتمعية  بصقل قدراتها وبناء مهاراتها من خلال ما تتضمنه الرسالة الإعلامية من موجهات في التوعية والتثقيف والرصد للواقع اليومي والسلوك المجتمعي العام، حتى  أصبحت الرسالة الاعلامية الشرطية تفوق في حجم مسؤولياتها والقناعة بأهمية تطويرها وتحسينها  ما يقوم به الاعلام العام لكونها أقرب إلى التخصصية وسرعة الاستجابة في الوقت ذاته، وتمتلك قدرة أكبر  لفهم  الواقع الإجتماعي والسلوك العام بما تمتلكه من أدوات الرصد والإحصاء والتقييم وبما تمثله من  سيادة في القرار وسرعة في التنفيذ.

من هنا كانت الحاجة لأن يتدارك الاعلام الشرطي جملة من الموجهات التي عليه أن يعمل على تأكيدها  في ممارساته  ويتعامل معها في قراءته لطبيعة الدور وصناعة التحول فيه والتي من بينها:

أولا: الشمولية والمعيارية ، من حيث مراعاة الرسالة الإعلامية الشرطية مبدأ الشمول  والواقعية في تعاطيها مع المنجز الوطني وفق معالجة دقيقة لهذه الرسالة بما يتناسب وطبيعة المستهدفين ومراحلهم العمرية وتنويع أسلوب الخطاب الشرطي وتنوعه وتعدده بما يضمن مستويات عاليه من  الإستجابة له من قبل المستهدفين منه، والتزامهم بتنفيذ توجيهاته وطريقة تعاطيهم مع الحدث الاعلامي ذاته، فإن تحقق  المعيارية يأتي من خلال  قدرة الرسالة الإعلامية على تحقيق غاياتها باستنادها إلى أسس وموجهات عمل قائمة على التخطيط والتنسيق وحسن الادارة والتنظيم.

ثانيا: التكاملية في الأداء، فالعمل الشرطي منظومة أداء مجتمعي واسعة متشعبة تتفاعل فيما بينها مجموعة من الدوائر ذات العلاقة بالمنظومة التوعوية والتوجيهية والإرشادية داخل المؤسسة ذاته، وهو أمر يضعها أمام مسؤولية تكامل أدوارها ومنع وجود أي ازدواجية في طبيعة تبليغها للرسالة الشرطية، بمعني وحدة منهجيات العمل ووضوح طريقة الأداء مع قبول الإختلاف في طبيعة المحتوى ، فهناك التوعية المرورية، والتثقيف المجتمعي حول المخدرات، والتوعية ضد الكوارث البيئية والتوجيهات المستمرة حول السلوك العام وحملات التوعية  الشرطية بالمدارس والتوعية في المناسبات والإجازات والمهرجانات وغيرها ، هذه التكاملية في العمل من شأنها أن توجد مناخا ت إيجابية للتفاعل والحوار والشراكة من قبل المستهدفين في  طريقة تقبلهم لمقتضياتها وحرصهم على الإلتزام بها وتطبيق حيثياتها،  ويرتبط بهذا الجانب أيضا التكاملية في الدور الوطني مع المؤسسات الاخرى ، فالمؤسسة الشرطية  ليست العصا السحرية  لمعالجة كل مشكلات المجتمع ، وهي مؤسسة مجتمعية من الدرجة الأولى وما المبادرات النوعية التي تتبناها شرطة عمان السلطانية بين فترة وأخرى والشعارات التي تطلقها في سبيل خلق تفاعل مع المستجدات من قبل المستهدفين منه، إلا برامج  عملية تترجم الفكر الشرطي وتخرج به إلى إطار مجتمعي واسع فهي جهد وطني تتشارك  فيه مرئيات الجميع في تمكين الممارسة السليمة وتبنيها.

ثالثا: ترسيخ مفهوم الوقاية وتأصيل ثقافتها، بحيث يعمل ومن خلال ما يمتلكه جهاز الشرطة من كادر بشري ومنهجيات عمل وخطط  واستراتيجيات إنجاز على تبني موضوعات تلامس الواقع فمن خلال عمليات التنبؤ والرصد والإستشراف والإستشعار يمكن أن  يرصد برامج جديدة ويحدد أجندة عمل نوعية ويضع إطار عمله بتقديم البرامج الاستباقية التوعوية الهادفة التي ترسخ ثقافة الاستجابة الذاتية المانعه مع وقوع الفرد في الإنحراف العكسي خاصة ما يحدث في طريقة تعبير الشباب في المناسبات الوطنية والرياضية وغيرها فهي مرحلة إستباقية للفعل المتوقع تبصر الناس بما عليهم أن يسلكوه وما عليهم أن يجتنبوه والمحاذير التي عليهم الالتزام بها أو قواعد السلوك التي عليهم العمل  في إطارها، هذه المرحلة الإستباقية التي يقوم بها الإعلام الشرطي  مهمة في  تفاعل الجمهور معها وتجنيبهم الوقوع في المحظور من السلوك.

رابعا:  ثقافة الاحترافية المهنية  ، وذلك بتأكيدها في  العاملين عليه من خلال صقل مهاراتهم وتعزيز بنيتهم المعرفية والأدائية وإكسابهم ثقافة مهنية واسعة ، مثل مهارات الحوار وطريقة النقاش والقراءة التحليلية للتقرير  والخبر الشرطي وغيرها  بما تحمله من شفافية ومصداقية وموضوعية في المعلومة وما يصاحبها من تحليل وإبداء الرأي وقبول الرأي الآخر، ولعل ما يتداول في مختلف وسائط التواصل الإجتماعي  من قضايا وأفكار ومعلومات لها علاقة بجانب أمن الإنسان واستقراره وحقوقه وسرعة إنتشار الشائعات يستدعي  سرعة الرسالة الإعلامية ويقظتها وجاهزيتها لخلق تحول إيجابي في أفكار المتلقين لها وتغيير الصورة النمطية الناتجة عن سرعة وصول المعلومة العكسية إلى المستهدفين.  إن قدرة الرسالة الإعلامية الشرطية على التفاعل  مع الحدث سوف يعزز من معيار ثقة الفرد فيها بإبرازها للحقائق وإفصاحها عن واقع الفعل ذاته، وبالتالي فإن الجهد النوعي للمؤسسة الشرطية في نقل الصورة الواقعية للسلوك اليومي  المجتمعي من خلال الإعلام  بمختلف أنواعه وتوظيف وسائط التواصل الاجتماعي اليوتيوب والأنستجرام والفيس بوك والتويتر وغيرها، يستدعي أيضا  الإستفادة من كل الملاحظات والتعقيبات المنشورة في تلك المواقع، وحصر الآراء والمرئيات والمقترحات والشكاوي وأوجه النقد وتوظيفها في تحسن جودة العمل الشرطي والارتقاء به وتجاوز الإشكاليات التي قد تكون ناتجة عن سوء تقدير في فهم واقع العمل.

خامسا: رؤية المراجعة والتحسين، إن ما تم الإشارة إليه  من موجهات للرسالة الإعلامية الشرطية يضع الاعلام الشرطي أمام مراجعات مستمرة ومعالجات  مقنعه سعيا نحو بلوغ الجودة والتحسين ،  وبالتالي من المهم أن تعتمد في ذلك أدوات رصد متنوعة كاستطلاعات الرأي حول القضايا المختلفة بالمجتمع  في ظل تعددها وتنوعها وتوظيفها في  خدمة العمل الوطني،  وأن يعمل الإعلام الشرطي على ترسيخ قيم العمل الشرطي في نفوس الناشئة على أنه عمل أخلاقي إنساني وطني يستهدف مصلحة الإنسان وحمايته وأن دور عنصر الشرطة هو المساندة في توفير هذا الجانب من خلال اليات محددة وأنظمة ولوائح يعمل في إطارها، وبالتالي ضرورة التعامل معه بكل أريحيه مع الحفاظ على هيبة وقدسية العمل الشرطي وإزالة اللبس الحاصل حول المؤسسة الشرطية ودور عناصرها، وبالتالي تأكيد إحترام عناصر الشرطة وتوفير المناخ المناسب له في عمله مع ما يتطلبه ذلك منه من التجرد من الذاتية والشخصية في تعامله مع مختلف القضايا الماثلة بالمجتمع، فينظر إليها في إطار الصالح العام ويمتلك من القدرات ما يضعه في موضع القدوة  والنموذج المضيء لتقتدي  به الأجيال في سلوك الالتزام والانتظام والحرص على تأكيد المحافظة على الحقوق ومراعاة المسؤوليات، هذا الأمر مما نؤكد على نجاح شرطة عمان السلطانية  في القيام به وثقتنا بجهودها في مساعيها الوطنية كبيرة جداٌ ، وما على الرسالة الإعلامية إلا أن تؤكدها في كل مراحل عملها وإنجازاتها كمرتكزات لصناعة التحول المنشود.

من هنا يأتي التأكيد على أهمية أن تمتلك الرسالة الإعلامية الشرطية من الأدوات والقدرات والاستعدادات للاستجابة لمتطلبات المرحلة القادمة والقدرة على التعايش مع معطياتها بكل كفاءة، ومستوى التأثير الذي يمكن أن تحدثه الرسالة الإعلامية الشرطيةفي المستهدفين في ظل تدني مستوى الوعي الإجتماعي لدى الشباب حول بعض القضايا التي تواجههم، وبالتالي أن تدرس واقع الشباب وتنصت لهم وتسمع لصوتهم وأفكارهم واقتراحاتهم ومن ثم تعزز فيهم معاني الارادة السامية والقوة والعزيمة على تخطي الإشكاليات ومواجتها بأسلوب حضاري إيجابي راق، وتؤصل فيهم ثقافة التكافل والتعاون وقيم الإخاء والمحبة والإحترام . وهو أمر يطرح على الرسالة الاعلامية تحولا نوعيا يستلزمتعدد الخيارات وتنوع البدائل التي تطرحها بما يضمن قدرتها على التأثيرفي إهتمامات الأجيال المعاصرة، وتوفر مؤشرات رصد وتقييم حول ما يفكر الشباب والجيل الحالي فيه وكيفية تلبيته بصورة تضمن قدرتها على جذب الاهتمام والشعور المتبادل بقيمة ما تطرحه من برامجويضع الرسالة الاعلامية الشرطية ومؤسساتها أمام مرحلة إثبات موقعها في واقع حياة المجتمع والحيلولة دون وقوع الشباب في منعطف الفكر السلبي والثقافات الدخلية التي تجانب الصواب وتقوض الهوية. فإن ما يظهره واقع عمل شرطة عمان السلطانية من جهود نوعية على مستوى نقل الخبر الصحفي وما تظهره الرسالة الاعلامية الشرطية المسموعة والمقروءة والمرئية من نشاط نوعي ومتابعات دقيقة ورصد متكامل وما تتبناه من موجهات عامة وبرامج ومبادرات وشراكات في إطار رؤيتها التثقيفية والتوعوية، واستثمارها الأمثل لكل وسائط التواصل الاجتماعي وتنبيهاتها في الرسائل النصية للجمهور من مواطنين ومقيمين ، إنما يؤكد هذا التحول التطويري النوعي الذي يشهده هذا الجهاز بكل مجالاته ويؤكد في الوقت نفسه أهمية الإستمرار في الجهد بالتركيز على رؤية الشراكة المجتمعية في تحقيق الأمن وترسيخ قواعده وصناعته في المجتمع، فتحية إعتزاز وفخر بدور شرطة عمان السلطانية ولكلالعناصر الشرطية التي تسعى لخدمة عمان والوفاء بالوعد وإنجاز العمل ولاء وعرفانالعمان وقائدها المعظم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه-

عودة إلى قائمة المقالات