نموذج لصفحة المقالات

 

ضحايا الجريمة قبل وبعد وقوعها

الكاتب: الدكتور/ حميد بن ناصر الحجري

إن من الأهمية بمكان أن يتم توجيه الأنظار إلى الضحية، وتبصير الضحايا بكيفية وقاية أنفسهم من الجريمة واتخاذهم التدابير الاحترازية من الوقوع في مصايد المجرمين. إلا أنه وفي ذات الوقت يصعب تماماً تفسير الظواهر الاجتماعية أو التنبؤ بالسلوك الإنساني بل؛ ويستحيل أيضاً تفسير المشكلات الاجتماعية من خلال مستوىً تحليلي محدد؛  وإنما يتطلب ذلك استخدام أكثر من مستوى لفهم السلوك وتفسير المشكلة الاجتماعية الواحدة.

ولقد حاز موضوع السببية في حدوث الجريمة من جانب المجرم ومحاولة إيجادها في بيئته أو ثقافته أو تكوينه النفسي والبيولوجي أو محيطه الاجتماعي على الاهتمام الواسع من قبل العلماء والمنظرين والباحثين في مجال علم الجريمة؛ وعلى الرغم من وجود الضحايا منذ حدوث أول جريمة في التاريخ البشري، إلا أن الدراسة العلمية لعلم الضحية لم تبدأ إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت الإرهاصات الأولى لعلم الضحية في أربعينيات القرن الماضي.

 وبدأ الاهتمام العلمي والتركيز على الضحايا أو المجني عليهم بعدما نادى الفقيه الإيطالي جريسبيني (Jerispina) بضرورة دراسة دور الضحية في إنتاج الجريمة. ثم جاءت محاولة فون هينتج(Han Svan Henting ) في مقالته الصادرة عام 1941م تحت عنوان "ملاحظات على التفاعل بين المجرم والضحية"، وبعدها نشر كتابه " المجرم وضحيته" عام 1948. حيث تناول في فصله الرابع ضحايا الجريمة، ويرى أن المجني عليه ليس طرفاً سلبياً في العملية؛ ولكن قد يكون سلوكه عاملاً رئيساً في الجريمة، فهو يشكل ويقولب المجرم، وقد يبادر المجرم بفعله عندما يجد الضحية مستعدة لذلك. ولمعرفة مدى استعداد الضحية للوقوع في الجريمة  وضع هينتنج تصنيفاً يتيح الوقوف على الأشخاص المعرضين للجريمة ليتم تدارك الأمر ومنع حدوث الجريمة.

وبعد ذلك قام كتَّاب آخرون بتسليط الضوء على الضحية ودورها في تكوين السلوك الإجرامي وبالأخص تحميل الضحية دوراً كبيراً في حدوث الجرائم؛ من بينهم هنري إلنبرجر(Henry Wallenberg) الذي أكد في مقالة نشرت عام 1954م أنه بقدر وجود العوامل المؤدية إلى السلوك الإجرامي، توجد عوامل أخرى تؤدي إلى وقوع الفرد ضحية للجريمة، وركز شيفر(Schafer) في مؤلفه"الضحية ومجرمها" عام 1968م على دور المجني عليه في تكوين ونشوء الجريمة واتهم بعض المجني عليهم بالقيام بدور استفزازي يدفع إلى الجريمة. ثم نشر الدكتور عزت عبد الفتاح في عام1971م كتاباً بعنوان" هل نلقي اللوم على الضحية؟".

وبظهور مدرسة الدفاع الاجتماعي اهتمت نظم السياسة الجنائية في معظم الدول الغربية على وجه الخصوص بالضحية، وأشار مارك آنسل(Marc Ansel)إلى ذلك بقوله: " من الواضح، عندما نتموضع في مستوى السياسة الجنائية، والتي ينبثق أصلها من الدفاع الاجتماعي، أن مشكّل الضحية يمثل أهمية معتبرة؛ ويجب أن يؤدي إلى إعادة التفكير في تنظيم رد الفعل الاجتماعي ضد الإجرام". ويُعد ذلك اعترافاً منه بفضل علم الضحية على ما أتى به من جديد في العلوم الإجرامية. وفيما يلي أربعة تفسيرات نظرية في هذا المجال:

التفسير الأول: تهور المجني عليه:

يرى هذا المنظور بأن السلوك الذي يقوم به المجني عليه قد يكون سبباً في استثارة الجاني لارتكاب الجريمة وقد كانت دراسة ميندلسون(Mendelsohn) في عام 1949م من الدراسات المبكرة التي لفتت الانتباه إلى العلاقة بين المجرم والضحية، وكان اهتمامه منصباً على جرائم الاغتصاب من منظور "اجتماعي، نفسي، وبيولوجي"، حيث حاول تحديد مستوى سلوك المجني عليه المؤثر في حدوث الجريمة، ووضع تصنيفاً معتمداً على درجة ذنب الضحية يتدرج ما بين برئ تماماً ومسؤولاً تماماً، وقد وجد أن تدهور الضحية يصحبه دائماً ظروف مخففة لمواجهة أي عقوبات. كما قدم أستاذ علم الاجتماع الجنائي الأمريكي ورئيس معهد علم الإجرام في جامعه بنسلفانيا وولف قانق (Wolfgang) في عام 1958م كتابه:(أنماط جرائم القتل الجنائية) الذي فجر كثيراً من الجدل خاصة من قبل منظمات المجتمع النسائية التي اعترضت على تقديمه لمفهوم الاستفزاز والذي ترى فيه هذه المنظمات بأنه يحمِل معاني مبطًّنة ضد النساء وينم عن عنصرية ذكورية، كونهن هن أكثر من يقع ضحايا للجريمة ويصفهن بأنهن مستفزات للجاني الذي تأتي مبادرته للقيام بالفعل الإجرامي كرد فعل على استفزاز الضحية، فهو أول من أشار إلى دور الضحية من خلال تهوره واستفزازه، حيث وجد أن 25%من جرائم القتل سببها تهور المجني عليهم واستفزازهم للجاني من خلال المواجهة معه سواء بالألفاظ أو الكلمات أو الحركات ويستجيب المجرم بإيذائه أو حتى قتله. أما مناحيم عمرAmir)) فيؤكد في دراسته عن الاغتصاب دور المغتصبة الرئيسي في عملية الاغتصاب؛ وبعداً عن التعميم فنحن لا نستبعد دور بعض الضحايا في جرائم الاغتصاب إلا أن ذلك لا ينطبق على جميع الحالات ويقع اللوم كاملاً على المعتدي، فمثلاً في حالات الحروب قد لا تقوم الضحية بدور استفزازي ورغم ذلك تغتصب أمام مرأى ومشهد من محارمها وهم مقيدون لا يقدرون على شيء وهو  من أبشع وأشد أنواع الاعتداء الذي يقترفه الرجل ضد المرأة. وقد تعرضت الدراسات التي بحثت هذا المفهوم انتقادات من أهمها التحيز الذي يوجهه الرجال تجاه النساء إذ أن المجني عليه في جرائم الاغتصاب هن من النساء، كما أن هذا التفسير يلقي اللوم على الضحايا ويعتبر دورهم سبباً كافياً لوقوع الجريمة بدلاً من الوقوف بجانبهم.

التفسير الثاني: نظريات الأنماط الحياتية:

وفي محاولة جادة للتفسير المباشر لدور الضحية، أكَّد كل من العالمين كوهن وفيلسون (Cohen&Felson) عام 1979م في مدخلها النظري"النشاط الرتيب"  أثر الحياة الحضرية الروتينية والأنشطة المصاحبة لها وتوضيح العلاقة بين التغيير الاجتماعي واتجاهات الجريمة، وذلك بالتركيز على ثلاثة عوامل رئيسة وهي: (المجرم ذو الدافعية لارتكاب الجريمة، والهدف المناسب، وغياب الحراسة القادرة). موضحين ما تتسم به الحياة المعاصرة من التعقيد وتوفر المناخ التنافسي بين أفراد المجتمع بسبب المظاهر والسعي وراء المغريات وزيادة الاهتمام بالكسب المادي السريع، وميل العلاقات الاجتماعية نحو الرسمية والتوجه نحو الفردية؛ مما يغيًّب الرقابة الاجتماعية ويضعف الضبط الذاتي.

كما أن الأنشطة الروتينية أبعدت الكثير من أفراد المجتمع عن منازلهم وأسرهم وممتلكاتهم؛ مما أدَّى إلى غياب الحماية اللازمة عنها،  وهو ما ينطبق على الموظف الذي يتطلب عمله الذهاب بعيداً عن منزله وفي ساعات متأخرة من الليل بمنطقة غير آمنة، فهذا النشاط الروتيني يعرض صاحبه للاعتداء أكثر من الموظف الذي يبدأ عمله في الساعة السابعة والنصف صباحاً وينتهي في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.

فالجناة الانتهازيون واللصوص غير المهرة لا يبتعدون كثيراً عن مواقع سكنهم وإنما ينتهزون الفرص عند الغفلة وانعدام الرقابة، ومثل هذه الجرائم لا تحتاج بالضرورة إلى تخطيط الجاني أو نية مسبقة منه أو حتى السفر البعيد، وإنما تتأتى بتوافر المغريات الآنية والظروف المناسبة، فجرائم اليوم غير معقَّدة وتحتاج إلى قلة من الوقت وشيء يسير من التحضير.

ومن أبرز الوسائل التقليدية التي يستخدمها الجناة للتأكد من خلو المنزل من أهله أو غياب صاحبه، هي: مراقبة المنزل، وطرق الباب الخارجي عدة مرات، وفصل الكهرباء ، ورمي الحجارة داخل المنزل، وسؤال الجيران . ويأتي دور الروتينية اليومية التي قد يتبعها الفرد عند إيقاف سيارته في المكان والزمان بطريقة تنبِّه الجاني إلى غياب صاحب المنزل وبالتالي يتم استهداف المنزل من قبل الجاني. هذا فضلا عن غياب الرقابة الجوارية.

وهكذا فإن النشاطات الرتيبة تهيئ الظروف من الأهداف والمواقف المناسبة لارتكاب الأفعال الإجرامية وخاصة الجرائم النفعية الهادفة إلى الحصول على المنافع المادية كالسرقة وغيرها؛ حيث يكتمل ثالوث الفعل الإجرامي المشار إليه سابقاً، محفزاً بذلك الإرادة الإجرامية ودافعاً الجاني إلى الاستجابة للاستثارة بالرد من خلال الجريمة.  

التفسير الثالث: فرضيات التقارب أو الوفاق:

تفترض نظرية التقارب إمكانية التنبؤ بالأشياء المعرًّضة للتأثر ببعضها بحكم الوفاق والتقارب  سواء في النوع أو الخصائص أو الزمان والمكان.  وتؤكد هذه الفرضية وجود علاقة مباشرة بين النفوذ والمسافة، فكلما تقاربت المسافات وقصرت ارتفعت درجة التأثير، وقد تم تطبيق هذه النظرية لوصف الأنماط المختلفة من القضايا، كبيان مستويات الجريمة المرتفعة في بعض المناطق الحضرية عن غيرها. وتشير فرضية التقارب إلى أن الأماكن الكثيفة بالمساكن أكثر عرضة لمستويات الجريمة عنها في المناطق متباعدة المساكن ومع ذلك فهناك من الباحثين من يدحض هذه الفرضية، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك والإدعاء بأن لتوافق خصائص الأفراد في الأماكن السكنية المتقاربة والكثيفة أكثر عرضة للإجرام من غيرهم،  في الحين الذي يقف فيه باحثون آخرون ضد هذا المفهوم. 

إلا أن المسوحات الوطنية الأمريكية دلًّت على أن المجرمين وضحاياهم يشتركون في الكثير من الصفات الشخصية والخصائص، ومنها( النوع، والعرق، والعمر، والطبقة الاجتماعية، والبيئة ، والسكن أو الجيرة) فالمجرم يختار ضحيته تبعاً للظروف والعوامل الاجتماعية السابقة. ولكننا نرى بأن هذه النتائج قد لا تكون دقيقة ولا تنطبق على جميع الضحايا؛ وإنما تكون قابلة للتطبيق على جرائم الاغتصاب والإيذاء والفساد الإداري إلى حد ما؛ فعندما يعيش المجرم وضحيته في أماكن متقاربة ويمارسان أنشطة روتينية متشابهة؛ فقد تتشابه أنماط حياتهما ومعيشتهما كارتياد الأماكن العامة مثل المجمعات والمحلات التجارية والمقاهي وغيرها. فيحدث أن يعيش المجرم ذو الدافعية وضحية كامنة في منطقة واحدة.

التفسير الرابع:فرضيات الجماعات المتكافئة:

ترى الفرضية بأن المجرمين وضحاياهم ليسوا جماعة مختلفة ومتباينة؛ بل هم متكافئون، وهناك دراستان في هذا المجال؛ قامت بالدراسة الأولى سايمون سنقر(Singer,1981) وكان من أبرز نتائجها أن ضحايا جرائم العنف غالباً ما يرتكبون الجرائم في المستقبل؛ وينطبق هنا الرأي السلوكي  بأن" العنف يولد العنف" ويمكن أن يفسر ذلك من خلال نظريات التعلم ونظريات التعزيز والتقليد والثقافات الفرعية. أما الدراسة الثانية فقد قامت بها مكرورت(Mcderott,1983) ووجدت أن ضحايا جرائم المدارس غالباً ما يرتكبون الجرائم من أجل استعادة مسروقاتهم أو رد اعتبارهم  ذاتياً؛ وذلك في إطار احترامهم لذاتهم.

وهكذا فإن المتتبع لتأريخ علم الضحية يجد أن للدراسات التي أجريت على ضحايا الجرائم دوراً بارزاً في إعادة تشكيل نظام علم الجريمة بأكمله، و رغم ذلك لم يأخذ مساره في التطور والتقدم في كل دولة من دول العالم، إذ قد نراه متقدماً في بعض الدول و متجاهلاً في دول أخرى، وقد أدى تراجع المداخل النظرية في علم الضحية في الوقت الحالي إلى ظهور الإنجازات التطبيقية والإسهام في دفع عمليات جمع البيانات، و محاولة الصياغة النظرية، إضافة إلى التشريعات الجديدة التي تتعلق بالضحية، والجهود المساعدة لتحسين وضع الضحايا، والتخفيف عنهم مما يقعون فيه، ثم انبثقت من المداخل النظرية نماذج مختلفة في محاولات لشرح الاختلافات الحادة في المخاطر التي تواجه الضحايا.

ويمكننا القول بأن تحديد دور الضحية كسبب في وقوع الجريمة يعتمد على وصف الضحايا وخصائصهم وعلى تصنيفاتهم المختلفة والعوامل البيئية المساعدة في تعرّضهم ضحايا للجريمة، وتختلف العوامل الداخلية والخارجية من مجتمع إلى آخر وفقاً لنوع الأنظمة السائدة في ذلك المجتمع؛ ففي الحين الذي يمكِّننا فيه عزو سبب الجريمة إلى عوامل تتعلق بالجاني في بلد يتسم بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، فإننا قد نلوم الضحية الذي يمنح الفرصة في مكان تغلب عليه الفوضى وعدم الاستقرار، إذ أن دور الضحية نسبي ويختلف باختلاف المواقف وأنماط الجرائم وملابسات وقوعها.

وفي ذات الوقت لا يكفي الاعتراف بأن الضحية لا تلعب دوراً مهماً في الملاحقات الجنائية فقط, بل يجب أن يتم حمايتها من مزيد من الضرر والأذى وتزويدها بالدعم لتتمكن من المساعدة في الإجراءات الجنائية والتغلب على محنتها من الجريمة والحصول على التعويض عن خسائرها. إذ أن آثار الجريمة لا تقتصر على الأذى الجسدي والخسائر المادية بل تتعداها في حالات كثيرة إلى الجانب النفسي والعاطفي وتستمر إلى أمد طويل.

وتعد نيوزلاندا أول دولة أصدرت تشريعاً للتعويض عن الجرائم، وذلك في عام 1963م وتم العمل به في عام 1964م ثم أصدر مجلس العموم البريطاني قانوناً ينظم التعويض عن الجرائم الجنائية ودون تحديد لنوع الجريمة. كما حظيت الضحية بدعم دولي في بداية السبعينات، وقد عقد أول مؤتمر عربي في هذا الشأن بتونس مابين 14-19 من ديسمبر في عام 1974م، ولمناقشة موضوع تعويض الدولة للضحية وبُحِثَ المبدأ الاسلامي المعروف"لا يطل دم في الإسلام" وكان من أهم توصياته الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية الغراء فيما يعنى بحق الفرد على الجماعة من الحماية والرعاية، وقد أخذت الدولة الاسلامية على عاتقها منع الجريمة، وإذا لم تسفر جهودها عن تحقيق ذلك وجب عليها أن تعيد التوازن الذي أخلت به الجريمة، والأصل أن عبء ذلك يقع على الجاني، فإن لم يعرف أو عجز هو وعائلته عن دفع الدية وجبت على بيت المال.

واعتمدت الأمم المتحدة في عام 1985م إعلان المبادئ الأساسية للعدالة لضحايا الجريمة. وقد أقر الإعلان وجوب الاهتمام بهم، و بعائلاتهم والشهود ومن ساعدهم، نتيجة لتعرضهم للأذى والضرر والإصابة أو الصدمة من الجريمة. كما أنهم كثيراً ما يعانون مشقة إضافية أثناء إجراءات التحقيق والملاحقة والمقاضاة للجاني. ويجب عدم إزعاج أي من الضحايا والشهود دون داع طالما أنهم يساعدون ويمتثلون للإجراءات القانونية. وقد أوضح إعلان الأمم المتحدة في فقراته الـ  (21) الخطوط العريضة للمبادئ لإشراك الضحية ودعمها ومساعدتها, ويمكن تلخيصها في ثلاثة متطلبات توجيهية وهي:

 - يتم الاقرار على نحو كاف بحقوق الضحايا ومعاملتهم باحترام حفاظاً على كرامتهم.

- يحق للضحايا اللجوء إلى الإجراءات القضائية وطلب التعويض الفوري لما لحق بهم من ضرر وخسارة.

- يحق للضحايا الحصول على مساعدة مخصصة وكافية نظير تعرضهم للصدمات  العاطفية والمشاكل الأخرى الناجمة عن إيذائهم.

وقد انقسم الفقه حول أساس مسؤولية الدولة في تعويض الضحية إلى اتجاهين؛ الاتجاه الأول قانوني: يرجع مسؤولية الدولة إلى الالتزام القانوني الذي يقع على عاتقها تجاه المجني عليه، فتكون الدولة مكلفة بحماية كافة الأفراد من مخاطر الجريمة حينما تفشل في منع وقوعها، وأصبح مستقراً في الفكر القانوني مبدأ "عدم جواز  لجوء الأفراد إلى إقامة العدالة بأنفسهم ويجب عليهم الرجوع إلى الدولة في المطالبة بحقوقهم" . والاتجاه الثاني اجتماعي: ويرى أنصاره أن هناك التزام أدبي واجتماعي بمساعدة المجني عليهم من الجرائم بالقدر الذي تسمح به ميزانيتها العامة وهو نوع من المساعدة الانسانية والاجتماعية وينطوي على معنى الخير والإحسان نحو المجني عليهم والمحتاجين.

وللشرطة دور كبير في حماية حقوق الضحايا، فهم أول الممثلين لنظام العدالة الجنائية الذين يقابلهم الضحايا عقب حدوث الجريمة، ويتوقع هؤلاء الضحايا من قبل الشرطة الاستجابة السريعة لمكالمات الاستغاثة، والقيام بالإسعافات الأولية في الحال. وقبول سرد الضحايا للأحداث المؤدية لاكتشاف غموض الجريمة من خلال توجيه الأسئلة المكتملة من قبل رجال الشرطة، والقبض على المجرم والوصول إلى الحقيقة وجمع الأدلة التي تقود إلى إدانة الجاني أثناء مرحلة التحقيقات أو المحاكمة الجنائية. وقد يصاب الضحايا بالأسى والشعور بالإحباط تجاه الشرطة إذا تأخروا في الوصول إلى مكان البلاغ أو لم يصدقوا اتهاماتهم أو يفشلوا في القبض على المجرمين والوصول إلى حقيقة الواقعة.

إن الاستفادة من مبادئ مدرسة الدفاع الاجتماعي الحديثة في صياغة التدابير الوقائية للتدخل قبل وقوع الجريمة على الضحايا المحتملين ووفقاً لمنظورات علم الضحية أصبحت ضرورة ملحة، ومن الواجب إعادة النظر  ومراجعة الإجراءات التي تسمح للضحايا بالوصول إلى حقوقهم والحصول عليها دون مشقة أو ضياع للجهد أوالوقت أو المال بعد وقوع الجريمة، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم. كما يقع على عاتق الدولة تعويض الأشخاص الذين يصابون بأضرار أثناء مساعدتهم ؛ وذلك تشجيعاً لهم على مساعدة أجهزة العدالة ووفاء بالجميل  لهؤلاء المواطنين الصالحين على جهودهم في مكافحة الجريمة.

ومن المؤمل أن يقوم المعنيين بجهاز شرطة عمان السلطانية ومكاتب البحوث والدراسات الاجتماعية وكذلك الباحثين المتخصصين بإجراء دراسات ميدانية لمعرفة دور الضحية في الجريمة، وتحديد العوامل التي ساهمت في وقوعها؛ سواء كانت من قبل الجاني أو المجني عليه، وما هي أوجه الخلل التي أضعفت جهود الدولة في سبل الوقاية من الجرائم بشتى أنواعها ؟؟ فحكمة ( الوقاية خيراً من العلاج) لا يمكن حصرها على  المشكلات الصحية وإنما تنطبق أيضاً على  المشكلات الاجتماعية بل وتتعداها.

عودة إلى قائمة المقالات